هبة الله بن علي الحسني العلوي

226

أمالي ابن الشجري

ويزيدك وضوحا في أن معنى الرفع كمعنى النّصب ، وأن الفعل في كلا الوجهين محمول على معنى الصّرف ، قول الزجّاج « 1 » : إنّ معنى لا تعد عيناك عنهم : لا تصرف بصرك عنهم إلى غيرهم من ذوى الهيئات والزينة ، وذلك أن جماعة من عظماء المشركين قالوا للنبي عليه السلام : باعد عنك هؤلاء الذين رائحتهم رائحة الضأن ، وهم موال وليسوا بأشراف ، لنجالسك ونفهم عنك ، يعنون خبّابا وصهيبا وعمّارا وسلمان وبلالا ، ومن أشبههم ، فأمره اللّه أن يجعل إقباله على المؤمنين ، ويلزم / نفسه مجالستهم ، ولا يلتفت إلى قول من سوّل له مباعدتهم بقوله : وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا ومعنى أغفلنا قلبه : وجدناه غافلا « 2 » ، كقولك : لقيت فلانا فأحمدته ، أي وجدته محمودا . وقال عمرو بن معديكرب لبنى الحارث بن كعب : « واللّه « 3 » لقد سألناكم فما أبخلناكم ، وقاتلناكم فما أجبنّاكم ، وهاجيناكم فما أفحمناكم » أي ما وجدناكم بخلاء ولا جبناء ولا مفحمين . وقوله : وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً قال المفسّرون : سرفا ، وقال بعضهم : سرفا وتضييعا ، وقال أبو عبيدة « 4 » : ندما ، وقال ابن قتيبة كقول أبى عبيدة ، وقال : أصله العجلة والسّبق ، يقال : فرط منه قول قبيح : أي سبق ، ومنه فرس فرط : أي متقدّم للخيل .

--> ( 1 ) معاني القرآن 3 / 281 . ( 2 ) بهامش الأصل : « قال شيخنا الإمام العلامة جمال الدين بن هشام ، أبقاه اللّه سبحانه : هذه المقالة ، أعنى كون « أغفلنا » بمعنى وجدناه غافلا ، تقدّمه إليها ابن جنى ، نصّ عليها في المحتسب وغيره ، وحامله عليها الاعتزال . من خطّ تلميذ ابن هشام » انتهى . قلت : وابن هشام يشير إلى قاعدة المعتزلة المعروفة : أن اللّه لا يخلق فعل الضلال والمعصية ، وإنما ذلك من فعل العبد . وانظر كلام ابن جنى المشار إليه في المحتسب 2 / 28 ، وقد انتصر لهذه المقالة بكلام عال نفيس ، في الخصائص 3 / 253 - 255 وانظر أيضا الكشاف 2 / 482 ، والبحر المحيط 6 / 119 ، واللسان ( غفل ) . ( 3 ) أعاده ابن الشجري في المجلس الحادي والثلاثين . وانظره أيضا في إصلاح المنطق ص 250 ، وأدب الكاتب ص 447 ، والروض الأنف 2 / 150 ، وتفسير القرطبي 10 / 392 ، والموضع السابق من المحتسب . ( 4 ) الذي في مجاز القرآن لأبى عبيدة 1 / 398 : « سرفا وتضييعا » . وكأنّ ابن الشجري ينقل كلام أبى عبيدة من طريق ابن قتيبة ، فهو الذي حكى عن أبي عبيدة « ندما » راجع تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص 266 .